محمد سعيد رمضان البوطي
70
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
تقدم هنا مصلحة حفظ النفس ، لأن المصلحة المقابلة وهي مصلحة حفظ الدّين موهومة أو منفيّة الوقوع . ويقرّر العزّ بن عبد السلام حرمة الخوض في مثل هذا الجهاد قائلا : « فإذا لم تحصل النكاية وجب الانهزام ، لما في الثبوت من فوات النفس مع شفاء صدور الكفار وإرغام أهل الإسلام ، وقد صار الثبوت هنا مفسدة محضة ، ليس في طيّها مصلحة » « 2 » . قلت : وتقديم مصلحة النفس هنا ، من حيث الظاهر فقط . أمّا من حيث حقيقة الأمر ومرماه البعيد ، فإنها في الواقع مصلحة دين ، إذ المصلحة الدّينية تقتضي - في مثل هذه الحال - أن تبقى أرواح المسلمين سليمة لكي يتقدموا ويجاهدوا في الميادين المفتوحة الأخرى . وإلّا فإن هلاكهم يعتبر إضرارا بالدّين نفسه وفسحا للمجال أمام الكافرين ليقتحموا ما كان مسدودا أمامهم من السّبل . والخلاصة : أنه يجب المسالمة أو الإسرار بالدعوة إذا كان الجهر أو القتال يضرّ بها ، ولا يجوز الإسرار في الدعوة إذا أمكن الجهر بها وكان ذلك مفيدا ، ولا يجوز المسالمة مع الظالمين والمتربصين بها إذا توفرت أسباب القوة والدفاع عنها ، ولا يجوز القعود عن جهاد الكافرين في عقر دورهم إذا ما توفرت وسائل ذلك وأسبابه . 2 - الأوائل الذين دخلوا في الإسلام والحكمة من إسراعهم إلى الإسلام قبل غيرهم : وتحدثنا السّيرة أن الذين دخلوا في الإسلام ، في هذه المرحلة ، كان معظمهم خليطا من الفقراء والضعفاء والأرقاء ، فما الحكمة في ذلك ؟ وما السّر في أن تتأسس الدولة الإسلامية على أركان من مثل هؤلاء الناس ؟ والجواب : إن هذه الظاهرة هي الثمرة الطبيعية لدعوة الأنبياء في فترتها الأولى ، ألم تر إلى قوم نوح كيف كانوا يعيّرونه بأن أتباعه الذين من حوله ليسوا إلا من أراذل الناس ودهمائهم : ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ . . [ هود 11 / 27 ] . وإلى فرعون وشيعته كيف كانوا يرون أتباع موسى أذلاء مستضعفين ، حتى قال عنهم بعد أن تحدث عن هلاك فرعون وأشياعه : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها [ الأعراف 7 / 137 ] . وإلى ثمود الذين أرسل اللّه إليهم صالحا ، كيف تولى عنه الزعماء المستكبرون ، وآمن به الناس المستضعفون ، حتى قال اللّه في ذلك : قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ، قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ [ الأعراف 7 / 75 - 76 ] .
--> ( 2 ) قواعد الأحكام في مصالح الأنام : 1 / 95 ، وانظر ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية للمؤلف : 261